الياس شوفاني

403

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

ومن حجم دورها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، داخل التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين وخارجه . فبمرور الزمن أصبحت تملك ، منفردة ، أو بالاشتراك مع رأس مال حكومي ، خاص ، أو أجنبي ، عشرات الشركات الكبيرة ، في حقول الإنتاج الصناعي والزراعي ، وكذلك التسويق والتصدير والاستيراد والنقل البري والبحري والجوي ، والبناء والاستثمارات الخارجية والصناعات التحويلية والاستهلاكية . هذا فضلا عن دورها الكبير في بناء وتطوير الاستيطان الزراعي التعاوني . فالهستدروت تملك على سبيل المثال شركة « تنوفا » للتسويق الزراعي ، و « هامشبير » للتسويق الصناعي والاستهلاكي ، و « سوليل بونيه » للبناء و « كور » للصناعة الثقيلة ، وغيرها . كما أن للهستدروت مؤسسات مالية : بنكا وصندوق تسليف وشركة إسكان وشركة تأمين وصندوقا للمرضى وصندوق ضمان اجتماعي ، كما تملك صحفا ومجلات ونوادي ثقافية ومسارح وغيرها . ومن خلال نشاطها تبرز الهستدروت ليس كمنظم للعمال ورعاية مصالحهم في المشروع الصهيوني ، وإنما كصانع للطبقة العاملة ذاتها ، وكأداة للحركة الصهيونية في تهويد اقتصاد فلسطين . فمنذ البداية ، تبنت شعار « العمل العبري » ، الذي كان يعني في الحقيقة مقاطعة العمل العربي ، وكذلك شعار « السوق اليهودية » ، أي مقاطعة المنتوجات العربية . وقد نمت عضويتها بسرعة ، فقفزت من 4433 لدى تأسيسها سنة 1920 م إلى 275 ، 15 سنة 1926 م ، فإلى 378 ، 25 سنة 1930 م ، فإلى 818 ، 85 سنة 1936 ، وإلى نحو 000 ، 200 في نهاية عهد الانتداب ( 1948 م ) . وتوسع نشاطها لتصبح العمود الفقري لاقتصاد الاستيطان الصهيوني قبل قيام إسرائيل ، وحتى بعده ، إذ ظلت الهستدروت المستخدم الأكبر بعد الحكومة . وكذلك فقد قامت الهستدروت بإنشاء البنية التحتية للكيان الصهيوني قبل الإعلان عن استقلاله . ولعل أكثر ما يكشف طبيعة الهستدروت الاستيطانية احتضانها منظمة « الهاغاناه » الإرهابية . فالنشاط الذي مارسته الهستدروت لتهويد فلسطين ، كان لا بدّ من أن يصطدم بمقاومة الفلسطينيين ، ذلك بأنه يرمي إلى نفي علاقتهم بوطنهم وتغييبهم عنه ، وهذا لا يمكن أن يتم بالوسائل السلمية . وفي الواقع ، فقد وعى قادة العمل الصهيوني مبكرا ، أن مشروعهم لا يمكن أن يتجسد إلّا من خلال استعمال العنف الفاشي المسلح ضد أهل البلد الأصليين . وحاول هؤلاء بناء قوة عسكرية خلال الحرب العالمية الأولى ، وبعد الحرب ، عملوا على نقلها إلى فلسطين لتشكل نواة « الوطن القومي اليهودي » فيها . غير أن هذا المسعى اصطدم بمعارضة الإدارة العسكرية البريطانية ، من جهة ، وبعقبات تنظيمية صهيونية ذاتية ، من جهة أخرى . وفي إطار